جيش الظلّ:
ماذا تفعل شركة “سادات” التركية في الصراعات؟

جيش الظلّ:

ماذا تفعل شركة “سادات” التركية في الصراعات؟



إحدى الفرضيات التي تأسست عليها الصراعات، في العقود الأخيرة، أن القوى الدولية والإقليمية في خضم سعيها لإيجاد موطئ قدم لها للتدخل في مناطق الصراعات المسلحة بشكل غير مباشر، تتوسع في نشاط شركات الأمن الخاصة التابعة لها، لتصبح هذه الشركات بمثابة أذرع أمنية تحقق لتلك الدول هدف التواجد دون إقحام جيوشها في معارك خاسرة، سواء في مواجهة جيوش أخرى أو مليشيات عسكرية. وهذه الفرضية كانت حاضرة في السياسة الخارجية التركية، وخاصة مع التوسع في الطابع العسكري لهذه السياسة، حيث كشفت الصراعات المسلحة بمنطقة الشرق الأوسط، وفي مقدمتها الصراع الليبي، عن أدوار مؤثرة لشركات الأمن التركية. وربما كانت شركة “سادات” (SADAT) النموذج الأهم في هذا السياق، ولا سيما مع طبيعة هذه الشركة والعلاقة التي تجمع النظام التركي بهذه الشركة، ومحاولات النظام استخدام الشركة في تحقيق أهدافه ومصالحه الإقليمية.

الانخراط المتصاعد

تعد شركة “سادات” هي الشركة الخاصة الأولى والوحيدة المعلنة من جانب تركيا التي تقدم الخدمات الدفاعية والاستشارية والتدريبات العسكرية في الداخل والخارج. وتأسست الشركة عام 2012 على يد العميد المتقاعد “عدنان تانريفردي”، وهو جنرال سابق في القوات المسلحة التركية، تم تسريحه عام 1996، بسبب المخاوف بشأن معتقداته الدينية المتشددة. وقد اختاره الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” في أغسطس 2016 ليصبح مستشارًا عسكريًا له، وذلك في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة. إلا أن “عدنان” استقال رسميًا من منصبه كمستشار للرئيس التركي في يناير 2020، بسبب انتقادات كبيرة وُجّهت له عقب تصريحاته بأنّ شركته تمهد الطريق لظهور المهدي المنتظر. وقد اعتمدت الشركة في بدايتها على عدد من الضباط وصف الضباط، بلغ عددهم 23، من المتقاعدين من مختلف وحدات القوات المسلحة التركية، والعديد منهم كان ينتمي للقوات الخاصة.

وقد تمثّلت الأهداف المعلنة للشركة في إعادة تنظيم أو تحديث القوات المسلحة وقوى الأمن الداخلي للدول الإسلامية بالمعنى الحديث والفعال لضمان الدفاع الوطني والأمن الداخلي. وبناءً عليه، رسمت الشركة خريطة تواجدها لتشمل دول العالم الإسلامي كافة، وفي حين أنه لا يوجد ما يثبت تواجدها في كل هذه الدول؛ إلا أن الهدف هو مدّ مظلتها لتشملها بما يعزز من التواجد التركي ويخدم المصالح التركية في تلك الدول وغيرها. أمّا الأمر المؤكد فهو امتداد نشاط الشركة في دول مثل سوريا، وليبيا، وقطر، وتونس، والصومال، وإثيوبيا، والبوسنة والهرسك، وكوسوفو، وأذربيجان، وألبانيا.

وفي هذا الإطار، شكّلت ليبيا الساحة الأبرز في جذب الاهتمام لنشاط شركة “سادات”. حيث ظهرت الشركة في ليبيا لأول مرة عام 2013، عندما قام “عدنان فيردي” بزيارة لليبيا التقى فيها قيادات عسكرية ليبية، وذلك لتحديد احتياجات المليشيات الليبية المتوافقة مع تركيا. ووفقًا لتصريحات سابقة لـ”مايكل روبين”، المسؤول الأمريكي السابق في البنتاجون، فقد دربت الشركة مقاتلين لداعش والنصرة، كما دربت أكثر من حوالي (3000) عنصر سوري وليبي في أواخر عام 2015، وأرسلتهم في ذلك الوقت إلى سوريا وليبيا، كلٌّ حسب دولته.

كما أكدت العديد من المصادر الدولية والليبية أن تركيا نقلت نحو (17) ألف مرتزق إلى ليبيا، تم استخدامهم كقوات عمليات برية لدعم حكومة الوفاق الوطني، مع تقديم الدعم المالي السخي الذي يصل في بعض التقديرات إلى نحو (2000) دولار شهريًا. كما وقّعت الشركة مؤخرًا شراكة مع شركة أمنية ليبية أسسها “فوزي بوكتف” وهو من قيادات جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا، وذلك لتدريب بعض القوات الليبية.

أنشطة متعددة

لقد ارتبط هذا التمدد الجغرافي لشركة “سادات” بتعدد في الأنشطة الخاصة بالشركة، والتي يتمثل أهمها فيما يلي:

1- مهام أمنية: إذ تستخدم تركيا اتفاقات التعاون والتدريب العسكري التي يتم توقيعها مع الدول الأخرى في توسيع قاعدة انتشار شركة “سادات” في تلك الدول، ومن بينها الدول الإفريقية، حيث تقوم الشركة بإجراء برامج للتدريب العسكري منذ عام 2013، كما يقترن ذلك بقيام الشركة بالمهام الأمنية الأخرى التي تخدم أهداف الدولة التركية، سواء بشكل مباشر أو من خلال تقديم الدعم للجهات الموالية للجانب التركي في الصراعات المسلحة أو الدعم الانتخابي وغيرها، وذلك باعتبارها وحدة استخباراتية شديدة الاحترافية من خلال عناصرها، واتساع درجة انتشارها. وفي هذا السياق، تم رصد تواجد لعناصر تابعة للشركة في ميناء سواكن في السودان، والذي كان من المقرر أن يشهد إقامة القاعدة العسكرية التركية قبل انهيار نظام “البشير”.

2- شكوك حول دعم الجماعات الإرهابية: في حين أعلن رئيس شركة “سادات” عن نيته العمل بشكل أوثق مع الدول الإفريقية في مجال التدريب العسكري؛ إلا أنه كان قد أكد في وقت سابق أن على تركيا دعم الجماعات الإسلامية ضد إرهاب الدولة. وهو ما يثير الشكوك حول قيام الشركة بتقديم خدماتها للجماعات الإرهابية في الداخل الإفريقي في دول مثل: جمهورية إفريقيا الوسطى، ومالي، ونيجيريا، والصومال.

3- توظيف المرتزقة: فقد أضحى استخدام المرتزقة محورًا مهمًا ضمن اتجاه أوسع لدول مثل تركيا وروسيا لتعزيز مصالحها في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وما وراءهما. ووفقًا لذلك التوجه أصبح من غير المحتمل نشوب الحروب الكاملة بين الجيوش، وبدلًا من ذلك ستنحصر المواجهات العنيفة بين المليشيات والمرتزقة وغيرها من أشكال الجهات الفاعلة غير الحكومية في أماكن خارج نطاق سيطرة الدولة أو في مناطق الصراعات الهشة الأكثر شيوعًا.

ووفقًا لتقديرات أفريكوم، في أوائل سبتمبر 2020، تم نشر ما يقرب من (5000) مرتزق سوري تدعمهم تركيا في ليبيا لدعم حكومة الوفاق الوطني. هذا بالإضافة إلى وجود عشرات من المستشارين العسكريين لشركة “سادات” التركية في ليبيا أيضًا، حيث يقومون بتدريب المقاتلين السوريين ومراقبة العمليات اليومية. ومن ثم فإن المرتزقة السوريين يحققون الأهداف والمصالح التركية بتكلفة أقل ودون الحاجة لنشر المزيد من قوات الجيش التركي. فضلًا عن السماح لتركيا بمواصلة تموضع نفسها جغرافيًّا واستراتيجيًّا دون تكبد خسائر كبيرة على مستوى الموارد المادية والبشرية.

4- خلق المؤيدين: حيث إن شركة “سادات” لا تكتفي بتدريب القوات العسكرية والأمنية، وتقديم خدماتها، بل تسعى أيضًا إلى زرع عقيدة قتالية موالية للدولة التركية، ليكون من الصعب، تحت أي ظرف، خسارة النفوذ التركي في تلك الدول. الأمر الذي سيسهل عليها تعويض أي شخص بعد خروجه من المشهد السياسي بشخصية أخرى موالية لها وضامنة لمصالحها في منطقة استراتيجية.

5- تحقيق مكاسب اقتصادية: إذ تقوم الشركة بتسويق منتجات السلاح التركي، خاصة في الشرق الأوسط وإفريقيا. كما ذكرت بعض وسائل الإعلام الروسية أن شركة “سادات” باعت الأسلحة للفصائل الموالية لحكومة الوفاق الليبية، حيث شحنت ما بين يوليو وسبتمبر 2019 حوالي 10 آلاف طن من الأسلحة والذخيرة إلى ليبيا، إلى جانب المركبات المدرعة، وقاذفات الصواريخ، والطائرات المسيرة.

وختامًا، يمكن القول إن الدور الذي تلعبه شركة “سادات” التركية يثير عددًا من التساؤلات الجوهرية حول مستقبل الشركة، فالنظام التركي ربما يتوسع في الاعتماد على الشركة في تحقيق أهدافه الخارجية، وتقليل الانتقادات الخارجية التي يمكن أن تنتج عن التدخل المباشر. ولكن مع ذلك، فإن وصول الرئيس الأمريكي “جو بايدن” إلى البيت الأبيض يحتمل أن يؤدي إلى إحداث بعض التغيرات في السياسات الإقليمية لتركيا، وهو ما سينعكس أيضًا على الأنشطة الخارجية لشركة “سادات”.


الكلمات المفتاحية: